حسن ابراهيم حسن
432
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
لا سيما إذا كان الشعر في وصف أيام الشباب والشوق إلى الأوطان والمرائي لمن عدم ، الأحباب ، وطرب يكون في صفاء النفس ولطاقة الحس « 1 » ، لا سيما عند سماع جودة التألية وإحكام الصنعة ، إذ كان من لا يعرفه ولا يفهمه ولا يسره ، بل نراه متشاغلا عنه فذلك كالحجر الجلد والجماد الصلد ، سواء وجوده وعدمه . وقد قال يا أمير المؤمنين جمهور من الفلاسفة المتقدمين وكثير من حكام اليونانيين : من عرضت له آفة في حاسة الشم كره رائحة الطيب ، ومن غلظ جسمه كره سماع الغناء فتشاغل عنه وعابه وذمه ، قال المعتمد . فما منزلة الايقاع وأنواع الطروق وفنون النغم ؟ قال : قد قال في ذلك يا أمير المؤمنين من تقدم : إن منزلة الايقاع من الغناء منزلة العروض من الشعر ، وقد أوضحوا الإيقاع ووسموه بسمات ولقبوه بألقاب . وهو أربعة أجناس : ثقيل الأول وخفيفه ، وثقيل الثاني وخفيفه ، والرمل الأول وخفيفه ، والهزج وخفيفه » « 2 » . ثم أخذ ابن خرداذبة يصف الإيقاع في كثير من الإفاضة حتى قال : « فهذه يا أمير المؤمنين جوامع في صفة الإيقاع ومنتهى حدوده . ففرح المعتمد في هذا اليوم وخلع على ابن خرداذبة وعلى من حضر من ندمائه ، وفضله عليهم » . وللمعتمد مجالس قد دونت في أنواع من الأدب ، منها مدح النديم وذكر فضائله ، وذم التفرد بشرب النبيذ وما قيل في ذلك من النثر والشعر ، وما قيل في أخلاق النديم وصفاته وأنواع الشرب ، وهيئة السماع وأقسامه وأنواعه ، وأصول الغناء عند العرب وغيرهم ، وأخبار الأعلام من مشهوري المغنين المتقدمين والمحدثين ، وهيئة المجالس ومراتبهم « 3 » . ولم تقتصر مجالس الغناء على الخلفاء بلى تعدتهم إلى الأمراء والوزراء وغيرهم من كبار رجال الدولة ، فقد وصف المسعودي مجلس محمد بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين « 4 » وكان انتشار الغناء في هذا العصر راجعا إلى كثرة الجواري ، وكان معظم القيان اللائي يحترفن الغناء ببغداد في أوائل القرن الرابع الهجري من الجواري ، وقليلي منهن من
--> ( 1 ) أي من أنواع الطرب ما هو استجابة للدواعى الفنية وحدها من إحكام صنعة الغناء وجوده الإيقاع وحسن تأليف اللحن ، وهذا النوع لا يطرب له إلا الفنان القوى الحس . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ( طبعة باريس ) ج 8 ص 95 - 99 . ( 3 ) المسعودي ( طبعة باريس ) ج 2 ص 100 - 103 . ( 4 ) المصدر نفسه ج 7 ص 335 - 392 .